رشيد الفحل
Blogger2 جوان 20242 دقيقة قراءة

غبار القلوب

غُبار القُلُوب كان "الطاهر" وحيدَ أبويْه، مُدلّلا عزيز أمّه. تعلّم في عام الواجب العسكريّ حِرْفة التركيب الكهربائي والالكتروني. ولما نزع بدلته وخوذته عاد إلى حياته...

  • : قصة قصيرة

 

غُبار القُلُوب

 

 

كان "الطاهر" وحيدَ أبويْه، مُدلّلا عزيز أمّه. تعلّم في عام الواجب العسكريّ حِرْفة التركيب الكهربائي والالكتروني. ولما نزع بدلته وخوذته عاد إلى حياته المدنية وفتح دُكانا لإصلاح الراديوهات وأجهزة التلفاز المعْطوبة وبدأت حياته تْزْهر وعمله يطرح الثمرات.

فرأى والداه أن يُزوّجاه وقد تجاوز العشرين من عمره قليلا.

أنجبت له زوجته بنتا وأربعة أولاد. ولم يبلُغ أكبرهم ست عشرة سنة حتى بدا له أن يُطلّقها ويتركها وبنِيها من أجل امرأة أخرى مُنشّطة أعراس وراقصة معروفة من قرية قريبة. عرفها عندما بدأ العمل في حفلات الليل والنساء بالأبواق والأضواء وكاميرا التصوير.

كان أبوه "الحاج عليّ" مؤذّن الجامع الكبير، مُولعا بتحفيظ أحفاده القرآن حتى تمكّن "سامح" أكبرُهم من حفظ خمسة أحزاب كاملة. كانوا تاج حياته عوض أبيهم الطائش اللّاهي.

ولمّا تُوفّي راح الطاهر يبيع ميراث أبيه ضيعة وراء ضيعة ثم تخلّص من دار ذات قيمة في وسط المدينة. وسرعان ما أنفق أكثر مالها على أهله الجدد. وقيل إن امرأته الراقصة ابتزّته واستدرجته بدلالها وخبثها الناعم ليكمل بناء دارها من جيبه بل من ميراث والده.

ولم يبق له إلا أن يُساوم أبناءه وأمّهم في دار جدّهم فباع ما حولها، بستانيْن عزيزيْن يحتويان زياتين وأشجارا مثمرة كثيرة.

ثم انثنى يهدّدهم بإخراجهم من سكنهم الباقي فاحتجوا بنصيب جدّتهم التي أشفقت عليهم بعد الإهانة والخراب وعقدتْه لهم راضية وخائفة.

وفي يوم عُرْسه وساعة كتابة القران، ذهب سامح ابنه الأكبر يتوسل إلى شقيق جدّه أن يحضر العُرْس ويحميه من تهديد أبيه بإفساد الحفل وطرد الجميع من الدار. ونجح العمّ الشيخ الوقور إمام الجامع الكبير في ردّ عدوانه وقتيا.

ثم تركهم لمّا سمع الناسُ القصة واشتدّ عليه التقريع إذ قالوا: ما هذا من عمل الرجولة ولا المروءة! فتخلّى عن وعيده على مضض.

 ولا يزال الطاهر تائها مجنونا لاهيا، وتعب الأبناء وأمّهم من الترقّب والخوف، فحثّتهم جدّتهم على الذهاب إلى عمّ أبيهم التاجر الكبير "سالم" لعله بخبرته ينصحهم وبماله يُخفّف عنهم وطأة الفقر ورعب الطرد والمطاردة.

استمع إليهم مُنتبها وفرك جبينه مفكّرا مهْمُوما. ولكنه بكلمات قليلة باردة وجافة قال لهم: مُحْزن ما أوصلكم إليه أبوكم ولكني لا أملك لكم حلّا. عوّلوا على أنفسكم وسواعدكم!

وسلّم عليهم بأسلوب السياسيّ ذي الوجهيْن وفتح لهم الباب مُودّعا ولسان حاله يقول لهم : لا تعودوا أبدا.

نعم.. لقد عوّلوا على أنفسهم كثيرا إذ عمل سامح مع زوجته في التجارة وفتحا متجرا. وذهب الولد الثاني مع خاله نجّارا والثالث عامل بناء. أما الأخ الأصغر فلا يزال يدْرُس ولكنه ظلّ ينتظر سنّ الرشاد والقوة ليخرج ويتحرّك في مناكب الأرض يطلب رزقه ويُقيم مع أهله موطئا كريما تحت الشمس .

وظلوا في الظلّ بعيدا يحملون لقب أبيهم وأعمامه بنقمة وخجل. واعتزلوا كل من يحمل دما يشبه دمهم ولقبا مثل ألقابهم إلى أن أكل الغبار كل الطريق بينهم وبين ماضيهم.

 

 

 

 

 

نُشر أصلا في مدونة الكاتب

السابق

تأملات شاعر 1

التالي

تأملات شاعر" المهرة السوداء4

تدوينات ذات صلة

Blogger5 جويلية 2024

وسيسمة الحدأة الجميلة

"وسيمة" الحدأةُ الجميلة كان كمال حين يخرج إلى الطريق الرئيسي وغير بعيد عن الحيّ يلتفت إلى دار الحاج سليمان فيتهيّب من ضجّتها الفوّارة بالحركة والجمال والغنى. وكانت وسيمة...

  • : قصة قصيرة
اقرأ المزيد
Blogger21 ماي 2024

التخلّي المرّ

التّخلّي المرّ هل لك أن تُقرضني ما يكفي دكان عطارة؟ أنت تعرفني سي محسن وتعلم ما وصلت إليه حالي. أقرضني أسدّد لك دينك شهريا بما يفتح الله عليّ. وأنا تاجر جيّد ومحاسب...

  • : قصة قصيرة
اقرأ المزيد
Blogger18 ماي 2024

خيبة مالك

خيْبةُ مالِك كان مالك تلميذا رصينا هادئ الطبع، مجتهدا على أوراق الاختبارات، وبارع في قنص الأعداد والعلامات الجيّدة. ولكنه قليل الكلام بل عاجز عنه في أكثر الأحيان. ورغم...

  • : قصة قصيرة
اقرأ المزيد