رشيد الفحل
Blogger26 أفريل 20242 دقيقة قراءة

لا أريد أن ألعب..

لا أريد أن ألعب قال وهو يبتسم ابتسامته الماكرة : هيا صديقي نُعِد مجدنا القديم وضحكتنا البريئة، سأشتري عشر كجّات وسابقْني كما كنت تفعل منذ ثلاثين سنة ! وحرّف شفتيْه يصطنع...

  • : قصة قصيرة

 

 

لا أريد أن ألعب

 

 

قال وهو يبتسم ابتسامته الماكرة : هيا صديقي نُعِد مجدنا القديم وضحكتنا البريئة، سأشتري عشر كجّات وسابقْني كما كنت تفعل منذ ثلاثين سنة!

وحرّف شفتيْه يصطنع قهقهة مجروحة كتلك التي يصدرها فتيان الشوارع وعصابات الليل وقال: لقد كنتَ مهْزوما دائما!

وارتدّ إلى نفسه هامسا و ألم دفين يخزه وخزا: كم أشقيتُ أمي حين كنت أقصدها فتدبّر أمرها و تعطيني من صُرّة في صدرها قطعا نقدية صفراء أشتري بها الكجّة تلو الكجّة فأخسرها جميعا!

وأعود إليها باكيا أسيفا فترأف بي وسرعان ما تأتيني بالفرنكات. وعرفت بعدها أنها سحبتْها خلسة من سُتْرة والدي يتركها عادة مُعلّقة على المِشْجب لينام أو ليتوضّأ ويصلّي ..

وأخسر الكجّات مرّة أخرى و مرّات كعادتي .. يا صديقي لا تذكّرْني! أم تريد أن تراني أحنّ وأتألّم؟

في مرّة أشفق عليّ جاري كمال وقد جلست مُتعبا مُنهكا من طول اللعب وحزينا من خسارة جديدة. وكم كان أمري عجيبا وإصراري غريبا على تكرار الفشل! كانت لهفتي عميقة و إدماني شديدا راسخا ولم أكن قادرا على الفكاك منهما بل حتى  تصوّر ذلك في تلك المرحلة .

أخذ كمال مني الكُجّة الأخيرة الباقية في يدي وانهمك يلعب وينافس خصومه ويحصد الكجّات ثم انفضّ الجمع بعد الرّهق الشديد على خسارة جامعة وانتصار كمال بل انتصاري!

مدّ يده إليّ و صبّ المحصول في كفّي حتى امتلأت وفاض خيرها متناثرا على الأرض فقُمْت ألمّه بيدٍ مرتعشة و أحسست أن ماء باردا أريق على رأسي فهدأت وسكن هياجي وصدرت من داخلي قهقهات وأغان ..إنّه يوم سعد ونصر!

كان كمال أشرس اللاعبين، ذكيا عنيدا و ماهرا جدّا في قنْص الكجّات من بعيد كما من قُريب . وقد أصبح اليوم شُرطيا محبوبا.

أما أنت يا صديقي فكنت وحشا ضاريا تفترس الكجات افتراسا مذهلا وخبيثا!

وأسوأ ما أدّى إليه لعبنا هو القمار بالقطع النقدية البيضاء الرخيصة وتطور الأمر إلى المقامرة بالقطع الصفراء الغالية في لعبة خطرة هي الورق "النّوفي"! وقد سمعت بعدئذ أن كبار القرية يقامرون فيها بالملايين وبعضهم اضطرّ لبيع داره كي يسدد خسارته في المقامرة اللعينة.

وهدانا الله إذ توقفنا عن ذلك سريعا وكتبت لنا السلامة أخيرا.

وانتفضت فجأة وقلت بحزم: شكرا صديقي ..لا أريد أن ألعب!

نُشر أصلا في مدونة الكاتب

السابق

أنا الفقير إليك يا رب

التالي

غيث العيون

تدوينات ذات صلة

Blogger5 جويلية 2024

وسيسمة الحدأة الجميلة

"وسيمة" الحدأةُ الجميلة كان كمال حين يخرج إلى الطريق الرئيسي وغير بعيد عن الحيّ يلتفت إلى دار الحاج سليمان فيتهيّب من ضجّتها الفوّارة بالحركة والجمال والغنى. وكانت وسيمة...

  • : قصة قصيرة
اقرأ المزيد
Blogger2 جوان 2024

غبار القلوب

غُبار القُلُوب كان "الطاهر" وحيدَ أبويْه، مُدلّلا عزيز أمّه. تعلّم في عام الواجب العسكريّ حِرْفة التركيب الكهربائي والالكتروني. ولما نزع بدلته وخوذته عاد إلى حياته...

  • : قصة قصيرة
اقرأ المزيد
Blogger21 ماي 2024

التخلّي المرّ

التّخلّي المرّ هل لك أن تُقرضني ما يكفي دكان عطارة؟ أنت تعرفني سي محسن وتعلم ما وصلت إليه حالي. أقرضني أسدّد لك دينك شهريا بما يفتح الله عليّ. وأنا تاجر جيّد ومحاسب...

  • : قصة قصيرة
اقرأ المزيد