Rachid Fhal
Blogger13 mai 20245 min de lecture

غد لا يشرق

غدٌ لا يُشْرق من أجمل ما يعِد به الزواج غدٌ مشرق بالأفراح وطفلٌ تولد معه الأماني التي تحوز العالم كله مدى البصر وشغف القلب. شبّان بلغوا عنفوان العقل والجسد. ورأوا...

  • : قصة قصيرة

Ce texte est affiché dans une interface française tout en conservant le contenu arabe original publié par l’auteur.

غدٌ لا يُشْرق من أجمل ما يعِد به الزواج غدٌ مشرق بالأفراح وطفلٌ تولد معه الأماني التي تحوز العالم كله مدى البصر وشغف القلب. شبّان بلغوا عنفوان العقل والجسد. ورأوا...

 

 

غدٌ لا يُشْرق

 

 

من أجمل ما يعِد به الزواج غدٌ مشرق بالأفراح وطفلٌ تولد معه الأماني التي تحوز العالم كله مدى البصر وشغف القلب. شبّان بلغوا عنفوان العقل والجسد. ورأوا بفتوّتهم أنّهم قادرون على امتلاك المستقبل والخبز وكلّ أزاهير الكرامة والخير.

ثم تتحوّل قصص المودّات بين زوج وزوجة إلى روايات تتوالد فيها الأحداث والعُقد.  فتتعْيّر بسرعة شهور النّوم المخملي وتذوب المشاعر العسليّة شيئا فشيئا في فناجين يشربها الناس على عجل بسبب العمل. ثم تسمع نغنغة الأطفال في كل منزل جديد.

وما كان أجْملهم وأحلى عيونَهم الزّرقاء والسوداء والبنّية والخضراء والنجلاء والحوراء وما أصفى صفحات الوجوه وأنعم ملمس البشرة والوجنات

وبعد حصص الحبْو المضحكة، يخرج الجمْع إلى الحيّ ليلعبوا في الشارع الضيّق بين المساكن الصغيرة. فيجرون ويتعثرون ويصرخون غضبا وفرحا حول لعبة قديمة أو قطعة خبز مغموسة بالمرق الحارّ.

  وها إني أسمع من نداءات الجدّات والأجداد أسماءهم : "يا إسلام  يا أيّوب يا يوسف يا يعقوب  يا عبد الحقّ  يا هبة الله يا تسنيم  يا إسراء ، يا حمزة يا إبراهيم ..." ما أجمل وقعها في الآذان وأعمق المعاني التي تهدينا إلى أجمل القصص وأعطر الآيات والبطولات.

 كان حيّ الفتح  حيّا شعبيا  شبابيّا ضمّ عددا كبيرا من الشبّان الكادحين الحالمين والنازحين من مناطق محرومة مختلفة جاؤوا للعمل فترة، فأقاموا.

 كانت أحلامهم رحبة وصدورهم تَسَعُ كلّ الأفراح.

 وازدحم الحيّ بالوافدين، فتواصل البنيان حتى التصق  بحيّ آخر يسمى حيّ "الأمان" حيث المدرسة الإعدادية، وطريق أيْمن يُوصل إلى المعهد، ونهج على اليسار يؤدّي إلى المستشفى الجهوي ووسط المدينة!

واشتدّ الازدحام وكثرت البطالة وشاع الفقر، ففسدت أخلاق العامّة من الناس إلا  القليل ممّن نشؤوا على الفضائل في مرابع صباهم وظلّوا أوفياء لما تربّوا عليه  في عائلاتهم وعشيرتهم.

 وقد وقع الهرج في حيّ الفتح كما كان يقع في كلّ الأحياء الشعبية. فانتكست الأحلام البريئة وتحوّل الأمن إلى أمنية مضحكة!

       ثم تدحرجت الأوضاع إلى  المآل السّيء ثم الأسوإ وتلطخت تلك الصور الجميلة  بالسّواد والحمرة والدّكنة من كل لون. فغاب الألق وبهتت الأرواح وشاهت الأشكال.

"بلال"مثلا، طفل وسيم جدا، ذكيّ ونشط ، لكنّه تعلّم المكر والمكائد. فكثر انشغاله باللعب والتهريج. وكان أحد الشبان قد استماله للشر وأغرقه في يمّ الخطايا على صغره. وأوهمه بأنه سيصير رجلا ذا قيمة. ولم يعلم والداه بشيء، إذ كانا منشغليْن بالعمل مُستغرقيْن في معمعان العمل والبحث عن رغيف كريم للعيش.

 فمال بلال عن الاستقامة دون تفكير ومراجعة. وهل كان المسكين في سنّه قادرا على التمحيص؟ ما كان ذلك ممكنا!

 ومرّت الأيام فصار كثيرا ما يُرى مع رهط السّكارى يسامرهم ويسلّيهم فيعطونه صبابة في علبة الجعة أوعقب سيجارة من النوع المخدر"الزطلة" حتى رآه بعضهم بعدها يخرج من المدرسة الابتدائية وفي فمه سيجارة كاملة.

وبعد شهر شاع  خبر انقطاعه عن الدّراسة. وكان متوقّعا حدوثُه بسبب ما كان منه من تهريج وتشويش وتمرّد داخل الأقسام مع مُعلّميه ورفاقه من التلاميذ زيادة إلى رسوبه المتكرر.

وشوهد يتسكع بعد ذلك على رأس جمع من أترابه يشاكسون الفتيات ويضربون المارّة من الأطفال ويسطون على متاعهم من مال أو مأكل أو لعب . وقد تجرّؤوا فتعدّوا على الكهول والعجائز من الرجال والنساء.  

 وما أذهل أهل الحيّ أكثر أن بلالا  صار يتسوّل أمام أبواب الجوامع ويستعطي الناس في وسط المدينة ليتدبّر أمر نفقته على الموبقات .ولم يُسمع في الحيّ أن أهله محتاجون أو بِهِم عوَز.فيا لها من موهبة مُدهشة ومهارة مبهرة!

واستمرّ الحال على سوئه. فما كان يمرّ يوم دون أن يشتكيه أحد المتضررين من أذاه إلى والدته حتى ملّت وصارت تغلق الباب دون الشاكين ولا تخرج إليهم.

فاتّجهوا إلى أبيه لعلّه يصدّه ويوقف جنونه وكان  ذا خلق وسماحة،محبوبا متديّنا ورصينا.  وأقسم لأهل الحيّ أنه تعب كثيرا في مساعيه  لِلجْمه ولكنّه عجز. ثم خاصم جيرانه وما عاد يُكلّم أحدا.

وظلّ بلال ورفاقه مُطلَقي الأيدي والأرجل يسيحون في أرض ذوى شبابُها واحترقت آمالُها وزاد خوف المساكين كل يوم من ألا يشرق عليهم غدٌ جديد.

  أما السيد الوقور مدرّس التربية الإسلامية إبراهيم فهو أحد النازحين الكرام. تسوّغْ منزلا للكراء في الحيّ واجتهد في أن يتركْ أثرا طيّبا وذكرى للفخر.

ولكنه بعد أقلّ من سنة حدّث نفسه بالمغادرة على عجل وقال :غادرْ يخْلُ لك وجهك النّقيّ ويصبح صدرك عفيّا من الكراهية والنّقمة.

لقد كادوا أن يضربوني ويجلدوا ظهري ويزلقوني بأبصارهم. وكدتَ أركن إليهم عبثا وسقوطا وفسادا!

وكان يحدّث صديقه فقال بحسرة: أشرْ عليّ بنصيحة أخي وتفهّم حيرتي وأعطني حلا يرضاه عقلي وقلبي معا!

أرض خصبة، زياتين خضراء في جوار واد يجري فيه ماء سخيّ يرضع من الغمام غيثا كريما غزيرا. وبجانبه طريق مختصرإلى المستشفى وقسم الطوارئ وإلى قلب المدينة العامر بالحركة والخيرات.

جميع المرافق قريبة من حوانيت وورشات ومخبزة ومكتبات.

 وحتى حنفيات الماء تنزّ خارج المنازل من آبار سطحية قريبة تستطيع أن تملأ منها حاجتك كل يوم وأن تستغني عن حنفية الدولة ورسومها الغالية.

أما المدارس فخطوات قليلة ويجد أبنائي أبوابها وأقسامها مفتوحة ترحّب بهم دون عناء وغربة!

فانتفض صديقه وصاح: ماذا إذن؟ ماذا تريد؟ وفيم ترغب أن يتحقّق لك أكثر من ذلك؟

 - أخلاق العباد يا صديقي

 - ما همّك من أخلاق العباد؟ عش وأهلك مُكتفيا. وكُنْ مُسالما تسلمْ!

 - دعْني أسترسل في كلامي ولا تقطع حبل تفكيري، وسترى صورة ما أخشى أن أقع فيه. وحينئذ سأقول ولات حين مندم : ليتني فكّرت ووزنت وضعي بمكيال الحقّ والمصلحة.

جميع ما قرأت في قصص القرآن عن الأمم الدّارسة والقرى الظالمة وما تحدّث عنه التاريخ و نبّهنا من خطره ، مساوئ الطغيان والفسق جميعها تجري جهارا في الشّوارع والدّيار دون حرج وستر.

أجيال تُربّي أجيالا على كل ألوان العهر والفساد والعقوق وحتى الانتحار!

-                                                          

إنّ نزوح الأهالي كان كبيرا في الثّمانينات وتكدّس الآلاف من الشبّان والأطفال في حيّ ضيّق وصغير. وطرأت حالات ضيق وشحّت فرص العمل على كثيرين. فماذا سيفعلون؟ هل سيتربّعون لصبر الجوع أوالمسألة؟

يا صديقي لن يطول صبر المُحتاج على الاستعطاء والانتظار. وسيذهب الجائع ليسرق قوته غيلة وعنفا.

 وماذا سيفعل الباقون ؟ سيبيعون أعراضهم أو يكونوا عمّالا في عصابات الدعارة والمخدرات.

وسلْ نفسك الآن: هل الماء الجاري تحت قدميك زلالا طيّبا والمدارس القريبة والخبز الساخن.هل كلّ ذلك سيُلهيك ويؤمّنك ويحمي الذّرّية بناتك وأبنائك من الانحراف ؟

ماذا ستفعل إن فسد هؤلاء؟

  - إذن .. غادر قبل الخراب!

Publié à l’origine sur le blog de l’auteur

Précédent

السجدة الأخيرة

Suivant

ولا يلتفت منكم أحد

Articles liés

Blogger5 juillet 2024

وسيسمة الحدأة الجميلة

"وسيمة" الحدأةُ الجميلة كان كمال حين يخرج إلى الطريق الرئيسي وغير بعيد عن الحيّ يلتفت إلى دار الحاج سليمان فيتهيّب من ضجّتها الفوّارة بالحركة والجمال والغنى. وكانت وسيمة...

  • : قصة قصيرة
Lire la suite
Blogger2 juin 2024

غبار القلوب

غُبار القُلُوب كان "الطاهر" وحيدَ أبويْه، مُدلّلا عزيز أمّه. تعلّم في عام الواجب العسكريّ حِرْفة التركيب الكهربائي والالكتروني. ولما نزع بدلته وخوذته عاد إلى حياته...

  • : قصة قصيرة
Lire la suite
Blogger21 mai 2024

التخلّي المرّ

التّخلّي المرّ هل لك أن تُقرضني ما يكفي دكان عطارة؟ أنت تعرفني سي محسن وتعلم ما وصلت إليه حالي. أقرضني أسدّد لك دينك شهريا بما يفتح الله عليّ. وأنا تاجر جيّد ومحاسب...

  • : قصة قصيرة
Lire la suite