تلاميذ من زجاج
تلاميذ من زجاج إنّها الساعة الواحدة ظهرا ! لقد حان موعد الغداء وقليل من الراحة.أغلق الدكان ويمّم الطريق مُنحدرا إلى المنزل. كان منهكا شارد الذهن كالعادة يمشي الهوينا...
- : قصة قصيرة
Ce texte est affiché dans une interface française tout en conservant le contenu arabe original publié par l’auteur.
تلاميذ من زجاج إنّها الساعة الواحدة ظهرا ! لقد حان موعد الغداء وقليل من الراحة.أغلق الدكان ويمّم الطريق مُنحدرا إلى المنزل. كان منهكا شارد الذهن كالعادة يمشي الهوينا...
تلاميذ من زجاج
إنّها الساعة الواحدة ظهرا! لقد حان موعد الغداء وقليل من الراحة.أغلق الدكان ويمّم الطريق مُنحدرا إلى المنزل.
كان منهكا شارد الذهن كالعادة يمشي الهوينا مطأطئ الرأس يجتهد في النظر إلى موطئ قدميه كي لا يتعثر.ومرّ على "فيلا" في الجانب الأيمن من الطريق، رأى فيها حلما أوأمنية وردية جميلة. يتأمّلها في الغدوة والرّوْحة كل يوم. ليتها تكون قريبا نصيبه دون غيره. فقد ضاق عليه مسكنه. وسمع أن صاحبها ميئوس من عودته إليها وقد يبيعها أهله.
وكان أمله ضعيفا ولكنه ظلّ مُصرّا على الحلم في زمن صارت فيه حظوظ الكثيرين من البسطاء أمثاله في هذه الحياة معدومة.
وكثيرا ما يتنامى إلى سمعه ما يرويه المعدومون من طُرف مُرّة عن الحرمان والفقر وحكايات استئثار عائلة الرئيس بكل موارد الدولة. حتى تحدث البعض عن حالة أسطورية من البذخ والتوحش في حملات الاستيلاء على أموال الرعية. وتحدث البعض الآخر متندرين ومنتقدين الجشع الرهيب عند هؤلاء، بأن دعوْا إلى تعليب الهواء للمواطنين بمقابل مالي.
وفجأة أفاق من أصوات النائحين التي ملأت مخيّلته وانتبه إلى مشهد أشدّ قتامة وحلكة من الليل الأهوج البهيم في ليلة شتوية طويلة ومملّة.
وصل فريق من التلاميذ إلى مفترق الطريق. واجتمعوا على كوْمة من فضلات المنازل وعلب الخمرة والقوارير البلورية وبدؤوا يمزّقون كراسات الدروس وأوراق الاختبارات الأخيرة. ثم تخمّرت أجسادهم بالحركة وطفقوا يرقصون قفزا وصعودا وهبوطا وتمايلا بليدا وصراخا هستيريا على وقْع أغنيات شعبية مهيّجة صادرة من هاتف جوّال. كانت تقرع آذان المارّة والسكان في الحيّ المجاور. ويردّدها هؤلاء الصّبية بأصواتهم المضطربة النّاشزة.
ثم بدا له أنهم سُكارى أو مخدّرون إذ توجّهوا بجنون إلى تحطيم القوارير وسط الطريق ورميها قطعا وشظايا مبعثرة جارحة ومخيفة يلجأ إليها شبان الأعراس عادة عندما يغلبهم السّكْر. فتصبح في أياديهم كالسكاكين والسواطير أسلحة للعراك والبطولات.ولن يتوقّفوا حتى يهجم عليهم الفجر أو تأتيهم الشرطة فيكملون ليلتهم كعصافير غبية في قفص "الحاكم"!
وصار غير ممكن له المرور بين هذه المقذوفات والشّظايا.
فالتفت إليهم ولا يزال يمشي متردّدا خائفا. ثم وقف ليعظهم بلطف ويطلب منهم إزاحة الأذى وتنظيف الطريق من أجل العابرين. فأعرضوا عنه ولم يجيبوه.
ولكنّ أحدهم تصدّى له أخيرا بلهجة ساخرة وحادة معا ليقول :"لا باس" يا حاج سيأتي أعوان البلدية.امض أنت إلى غايتك بالسّلامة ولا تهتمّ بشأن غيرك أوبأمر لا يعنيك "
جرحه الردّ من فقاقيع بشرية لا تكاد تُرى من ضآلتها وامتقع وجهه غيظا وعجزا. فلو كانت له بهم قوة لأدّبهم وبدّد جمعهم التافه والحقير أويأوي إلى ركن شديد. فتمتم ساخطا :"لا حول و لا قوة إلا بالله" وردّدها بدون عدّ حتى يبرد دمه قليلا . ثم رمى نظراته الشاحبة الخائفة تحت أرجلهم تسليما واستعطافا كأنه يريد أن يتملّص وينجو من الموقف المحرج والسخيف .
وهمّ أن يمضي لولا أن رأى جاره الذي كان قريبا من الحدث، مهتمّا بإصلاح شاحنته أمام مستودع في ناحية الشّرق من مفترق الطريق.
رآه قد هبّ بسرعة كالسهم هائجا كالعاصفة وانهال كالبرق على الشبّان لطْما وركْلا ولكْما وشتما، وكان شابّا رياضيا مفتول العضلات مُهابا.
فصرتَ لا تسمع منهم إلا توسّلات وصراخا واعتذارات "سامحْنا .. سامحْنا .. لقد انتهى وتعلّمنا الدرس .. لن نُعيد الكرّة".
فأمرهم بجمع الشّظايا المتناثرة قطعة قطعة. ففعلوا بنشاط عجيب وانضباط مُدهش ولا يزال الرجل يضرب من يتكاسل منهم عن الانحناء والتقاط ما تناثر من القطع.
والتفت العابر المسكين مذهولا لا يصدّق ما يرى.
فنظر إليه جاره متعاطفا وأحنى رأسه كأنه يستأذنه في زيادة العقوبة والتعنيف حتى يشفى غليله ويبرد غيظه من وقاحة المعتدين المتطاولين الصغار.
فحيّاه صاحب الدكان على خجل قائلا: هداهم الله.
ثم مضى على عجل يُتمتم ويسأل بحسرة: "لماذا لم يسمعوا منّي ؟ إذن لحفظوا أنفسهم من قسوة التقريع ولنجوا من الضرب؟ هل تعوّد الأطفال الترهيب فاحتقروا كل من يعاملهم باللطف والرقة واللين؟ ما هي أسباب هذا التمرّد القبيح وتلك الوقاحة والعجرفة؟ ولماذا هذا الاحتفال الغريب بتمزيق الأوراق والعبث والفوضى في الطرقات غير البعيدة عن المدارس والمعاهد ؟ لماذا هذا الجحود المرّ وهذا الكره لكلّ خلق وعلم؟
كأن لسان صدورهم يقول: يا من علّمتمونا اقرؤوا رسائلنا، لم نعُد نُطيقكم !إنكم تنفخون في الرّماد وأصواتكم ومعارفكم ونصائحكم صرنا ننساها فور خروجنا بل عند استعدادنا للخروج من قاعات الدرس!
لماذا لا تفهمون ولا تقدّرون حنقنا الشديد؟
لقد فقدنا قدرتنا على احترامكم. إنكم لم تعلّمونا شيئا. ألا تفهمون ؟ ارحلوا أودعونا نرحل !"
هذا المشهد المُحزن يُخبر بأنّ جيلا من الأبناء نشؤوا زجاجيين بسبب الدّلال الزّائد وضعف الانضباط من جهة وتغير النظرة العامّة إلى التعليم كجسر يجب أن يعبُره الجميع كي يتدرّبوا ويحصلوا على الوظيفة من جهة ثانية.لقد ظهرت مسالك أخرى هيّنة وسريعة لبلوغ المكانة وجمع المال.
فكم تشوّهت هيبة المربّي وذهب وقاره! وكم تاه طالب العلم فلم يجد قُدْوته، وصار يشكّ في وجود ضوء آخر الطريق كي يستمر بحماس في التعلم والبحث والارتقاء وعمارة الأرض.
وكم آلمه قول أحد جيرانه متحسّرا وكان مربّيا خرج من التعليم بسبب تعكّر خطر واعتلال مُزْمن لصحّته :" لقد أُفرغت المهمّة التربوية يا جاري من كل روح وتحفيز على الإبداع. فصارت هشّة كالزّجاج الرخيص لا تستطيع أن تنشئ إلا طائفة من الزّجاجيين.